الملاحظات
صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 58

الموضوع: رواية تناديني سيدي

  1. #21  
    المشاركات
    3,260



    فقال فونسكا بشيء من سخرية رجل في منتصف العمر:
    " أن عواطف الشباب يا صغيرتي قليلة القيمة في نظر الذين لم يعرفوا العواطف أبدا , كان من الطبيعي للثراء في عائلة جوان أن يتزوج الثراء , ولأصحاب االمراكز مصاهرة أصحاب المراكز , وقد حطّم والد جوان القاعدة , وأجدني أحيانا.".
    " نعم يا سيدي؟".
    " بالنسبة الى جوان , أنه إبن نبيل ثائر وغجرية ساحرة , لا أظن أنه كان ليحافظ على لقبه ومركزه هنا , لو لم يكن الحادث هدّأ من الروح القلقة في نفسيته. يكفي أن تتأمليه على حين غرّة فتجدين في عينيه الأسد السجين في قفصه , أما في أوقات أخرى فتجدين فيهما سخرية الأسباني الذي يتقبّل قدره المكتوب".
    كانت الباحة دافئة ومع ذلك أرتعشت أيفين قليلا , أن القدر قد يقسو على بعض الناس , ولاح لها أمل بأن تجد السعادة طريقها اليه حتى تعوّضه عن الألم الذي عاناه ورسم خطوطه على وجهه , وأشاع الفضة في شعره , وحرمه القدرة على أن يمتطي جواده أو يمارس رياضة التنس , أو ينعم برقصة مع فتاة , وجدت نفسها تسأل فونسكا:
    " كم هو عمر دون جوان ؟".
    " إنه في الثانية والثلاثين".
    " حسبته أكبر من ذلك بكثير وهو يعاملني كطفلة !".
    ضحك مدرّسها وقال:
    " بالنسبة الى جوان أنت صغيرة وبريئة , أعتقد أنه عاش في ليما أسما على مسى , وهي مدينة تزخر بسيدات المجتمع".
    وهمست:
    " دون جوان , العاشق الكبير الذي ظل قلبه بغير جراح".
    " يقال أنه وقع في الحب مرة واحدة".
    " حقا؟".
    ومرة أخرى خطرت لها راكيل وهي ممسكة ذراعه بأصابعها ذات الخواتم الماسية , وهو يتأمل تلك الفتاة بعيني مجرب فيهما أعجاب بجمالها , ولعلّ قلبه أصبح أخيرا على أستعداد للأستسلام , وقف فونسكا وقال:
    " حان الوقت لنبدأ درسنا , وغرفة الجلوس في الداخل ليست حارة وفيها كتب وبعض قطع فنية جديرة بالدراسة".
    كان أثاث الغرفة , التي ستصبح فيما بعد مألوفة لها , من طراز عهد أيزابيلا , قاتما وغنيا بالنقش الجيد , ولهذا بدت مجموعة فونسكا الفنية رائعة.
    ولاحظت أيفين على الفور بعض تماثيل صغيرة لأطفال بثياب أسبانية , وقد سمح لها المدرس أن تمسكها بعناية , وقال لها:
    " عليك أن تحبي القطع الفنية حبا نابعا من القلب".
    قالت : هذه جميلة , وما أن أمسكت بالتماثيل الصغيرة حتى لم تشعر بأي شيء آخر غير الأهتمام الفني , ونظرت الى لوحات الرسم المعلقة على الجدران المكسوة بألواح الخشب , ورأت فيها عيون أناس حقيقيين بدلا من عيون مرسومة , شعرت بالتأثر , أن الأشياء المجسّدة أيا كان جمالها لا يتحرك لها قلبها , الناس وحدهم هم الذين يقدرون على ذلك, والغضب أو الشفقة أو السرور فقط.
    ومرة أخرى قالت : جميلة , ثم شعرت بعيني مدرّسها تستقران عليها بعنف , وأخذ فونسكا كتابا كبيرا من فوق أحد الرفوف وقال:
    " سنبدأ بحكاية تيتيان , وأعتقد أنك ستتعاطفين مع شخصيته على نحو أكثر . وبعد ذلك ستكونين جاهزة لدراسة الفنان المعلم".
    وتساءلت بعينيها الكبيرتين العسليتين.
    فقال وهو يبتسم:
    " ليوناردو دافنشي ".
    ولكن بدا لأيفين أنه إنما يقصد شيئا يختلف كل الأختلاف!











    رد مع اقتباس  

  2. #22  
    المشاركات
    3,260



    - رائحة العدس والأعشاب



    اليوم هو الأحد. لا دروس , بل دعوة من مانريك كورتيز لنزهة بالسيارة حول الجزيرة , سلمت اليها على مائدة الأفطار , وبذلك فهي مضطرة أن تسأل دون جوان أذا كان من المناسب لها تلبية الدعوة , رفع بصره اليها ببطء من فوق رسائله المكدّسة أمامه وقال:
    " قلت أنه لا أعتراض لي على الشاب كصديق يا أيفين , بالطبع يمكنك التنزه معه في السيارة".
    " شكرا لك".
    " يبدو في طل حال أن علينا التخلي عن فكرة أحضار مرافقلك , لقد جاءني الر د من دونا أوغستا بخصوص دعوتها الى القلعة , أعتذرت لأنها أبتدأت عملا صغيرا مستقلا وبالطبع لا يمكنها تركه للقيام بخدمة لن تكون دائمة".
    وكانت أبتسامته مجرد أنفراج للشفتين , ولكنه تابع وسألها:
    " أتعتقدين أن في أمكانك تحمل البقاء في القلعة بدون مرافقة؟".
    سألته هي بدورها :
    " وما هي حاجتي لمرافقة؟".
    " فعلا لماذا؟ ولكنني أذكر أن الشكوك ساورتك أتجاه نواياي يوم وصلتك الثياب الجديدة من مدريد".
    " أنا أعرفك الآن معرفة أفضل يا دون جوان".
    " أحقا ذلك؟". ثم مدّ يده الى أبريق القهوة وأعاد ملء فنجانه وقال:
    " عرفت الآن أنني لست أسما على مسمى أليس كذلك؟".
    " كان عاشقا مكثارا بلا قلب".
    " وماذا عني أنا؟".
    أطلقت ضحكة محيّرة وقالت:
    " أنت رجل منفتح الشخصية , ولا بد أنك سررت لكوني ساذجة لدرجة أنني أسأت فهم كرمك.".
    كان يشرب قهوته بدون حليب, وقال:
    " لماذا تصرين على التحدث عن كرمي , وكأنني عم أو خال؟ أعمالي نادرا ما تكون بدافع من العاطفة , أنا رجل عملي مثل معظم الأسبان , ولا أحب أن أرى الشباب والذكاء ضائعين وبالأخص لأجل امرأة مبتذلة مثل مخدومتك , وأنا مسرور من التقدم الذي أحرزته مع الأستاذ فونسكا , حدثني أن لك ميلا طبيعيا للغتنا , هيا قولي شيئا بالأسبانية!".
    " لا أستطيع !".
    " لا تخجلي مني ! تصرّفي وكأنني مانريك كورتيز".
    " مستحيل !".
    " ولماذا , هل لأنه من جيلك وأنا كبير السن في منزلة العم؟".
    أحتجت قائلة:
    " أنا. أنا لا أعتبرك عما".
    " ولكنك تخشين أن أجرحك , فترفضين التحدث الي ببضع كلمات أسبانية".
    " أنت تخجلني ".
    قال ساخرا:
    " هل أدير ظهري , صحيح يا أيفين أنك تقولين أنني كريم , ولكنك طوال الوقت تظنين أنني صارم".
    وبعد ذلك نظر الى الخادم وقال:
    " ماذا هنا يا لويس؟".
    " السيد كورتيز سأل عن السيدة الصغيرة يا سيدي , وهو ينتظر في سيارته".
    " شكرا يا لويس".
    ونظر دون جوان الى أيفين وقال:
    "لا شك أنك مشتاقة لمقابلة المعجب بك , ولهذا سنواصل مناقشتنا فيما بعد , وتذكري يا أيفين ما قلته لك , أنا وصي عليك ولا أريد أن يأخذ الناس فكرة أن الشاب كورتيز يتمادى معك".
    " سأكون في غاية الحذر يا سيدي".
    وكانت تتطلع الى النزهة بالسيارة الىحد أن عينيها قد تلألأت وهي تهب من المائدة وتقول:
    " لا أعرف متى سأعود الى البيت".
    فقال المركيز بهدوء:
    " هذا ليس شأني , وأنا شخصيا سأخرج".
    " آمل أن تستمتع بوقتك يا سيدي ".
    " أنا متأكد من أنك ستقضين وقتا ممتعا يا أيفين".
    ثم أنحنى أنحناءة صغيرة وتابع:
    " هيا يا صغيرتي , لا تدعي الشاب ينتظر".
    " الى اللقاء".
    رد عليها بالأسبانية عامدا , كأنه يذكّرها بأنه يريدها أن تتحدث الأسبانية بين حين وآخر.
    " هاستا لا فيستا ( الى اللقاء)".
    أسرعت مبتعدة وعبرت القاعة الى حيث كان الخادم لويس يمسك بالباب الأمامي مفتوحا , وحينما مرّت أمامه شعرت برقة عينيه , لم يكن غير ودي تماما كما كان في السابق , وكأن حضور شاب الى القلعة شيء جديد, وهمس:
    " طاب يومك يا آنسة".
    أبتسمت وقالت:
    " شكرا يا لويس , في أنكلترا إذا أشرقت الشمس هكذا ينتهي عادة النهار بالمطر"
    ونظر لويس الى السماء الصافية :
    " لا أظن أن على الآنسة أن تقلق".
    " ها أنت تصلين يا أيفين !".
    صاح مانريك وهو واقف في أسفل الدرج , وإبتسامته تلمع بيضاء وسط بشرته السمراء , وجرت نحوه , كان يرتدي سترة بيضاء وقميصا من الحرير الأسود , وبنطلونا قاتما وصندلا , وأمسك بيديها نظرة شلملة عليها , كانت في ثوب أبيض يتوسطه حزام يتوسطه حزام برونزي في لون حذائها , وأنعكست الشمس في عينيها وفي شعرها , أبتسم وقال:
    " كل مرة ألقاك تزدادين جمالا , مثل زهرة كانت مغلقة في الظل , والآن تتفتح في شمسنا عن جمال غير متوقع".
    قالت وهي تلهث :
    " دعك من هذا فأنا لست حتى لطيفة !".











    رد مع اقتباس  

  3. #23  
    المشاركات
    3,260



    ورافقها الى السيارة وقال:
    " وما دخل اللطافة في الجمال؟".
    كانت سارة رياضة بيضاء , لون أثاثها جميل , وكانت قطعها المعدنية تلمع في الشمس , وسقفها مفتوحا , ولهذا رأت أيفين أنها سيارة جديدة , قالت بسخرية:
    " كل الرجال الأسبان يحبون أطراء النساء".
    فسألها مانريك :
    " وحتى دون جوان ؟".
    " الوصي على رجل يعرف المسؤولية .".
    قال مانريك وهو يدير محرك السيارة , ويقودها الى خارج البوابة ثم الى الطريق الشديد الحرارة , وكان البحر يبدو على البعد أزرق فاتنا :
    " أنه أسباني وله عينان سريعتان , وهو لا يزال شابا فكيف يتولى الوصاية عليك؟".
    " آمل ألا تظن".
    ضحك وقال:
    " بالطبع لا , من الواضح تماما لي أن أحد لم يحدثك عن الحب".
    " ألا نتحدث في شيء آخر؟".
    " آمل أن يكون الكلام مسموحا ".
    " الكلام لا غبار عليه في نطاق الصداقة".
    " أذا كان الوصي يريدني أن أعاملك كتلميذة مدرسة , فأولى به أن يحجزك في برجه , هل أدور بالسيارة وأعيدك الى البيت؟".
    " كلا , فهو سيخرج".
    " مع الغريبة راكيل؟".
    " أتوقع ذلك".
    " تسود الجزيرة أشاعة نية زواجه منها , أتعتقدين أنه سيتزوجها؟".
    " إنه لا يحدثني عن أسراره".
    " لا أعتقد أنك ستحبين زواجه منها , أذا أصبحت راكيل سيدة القلعة ربما تمانع في بقاء زوجها وصيا على فتاة جذابة".
    " أن دوم جوان لن يصبح وصيا علي بصفة دائمة , وهو كريم الى حد أنه يريد مساعدتي , وأنا أقيم في القلعة بينما يعلمني السيد فونسكا بعض الأمور التي تعينني على العمل".
    أبطأ مانريك اسرعة السيارة عند وصولهما الى منعطف في الطريق وأتاح له ذلك أن يلقي نظرة عليها , كان شعرها يمرح في الهواء وبدت صغيرة وجذابة , وغير مدركة لجاذبيتها , فسألها:
    " هل أنت جادة ؟".
    " ن عملا أمتع من الأشتغال خادمة".
    " هناك ما هو أمتع من العمل . وهو أن تتزوجي".
    " أود أن أحب قبل أن أخطو هذه الخطوة".
    أغاظها مداعبا بقوله :
    " لكنك تخافين من الحب".
    " لم أعد أخافه , شأني شأن أي فتاة أخرى , ولكنني حذرة , أإنظر الى البحر يا ريك ! أنه يبدو جميلا حتى لا أكاد أصدق أنه أرعبني".
    وأسرعا بالسيارة , وكانت أيفين تملأ عينيها بكل شيء , وتختزن مشاهدات اليوم حتى تتمكن من تذكرها أذا حان وقت مغادرتها الجزيرة , مرت السيارة على بساتين اللوز , والزيتون , وطاحونة هواء فوق رابية تعيد للمرء صفحات دون كيشوت , وبدت جبال أسبانيا على البعد بنفسجية اللون , سألته أيفين:
    " هل الجزيرة مثل أسبانيا؟".
    " الى حد كبير , كأنما سرق أحدهم الزمن الغابر قطعة من الأندلس ووضعها في المحيط , أنا من الجنوب ومع ذلك قد أزداد شغفا بالحياة هنا"
    أبتسمت وقالت:
    " أنت رجل مدن , فالموسيقى والغناء سيأخذانك حول العالم , وأنت تعرف ذلك".
    " هذا صحيح".













    رد مع اقتباس  

  4. #24  
    المشاركات
    3,260




    "أتساءل أذا كنا سنتذكر في المستقبل هذه النزهة في شمس النهار ؟ مرورنا هذه اللحظة ببيت أبيض الجدران يزدان بزهر أرجواني ؟ ورؤيتنا في اللحظة التاليى لشخص بمفرده على الشاطىء يجمع عشب البحر ويكدسه في عربة يجرها حمار ؟ هل يمكنني أن أشم رائحة العشب ورائحة الزهور , ولعله يأتي يوم أشمهما فيه مرة أخرى , وبمجرد أن أغمض عيني سأتذكر".
    ونظرت الى مانريك وتفحصت صورة وجهه الجانبية , وأضافت : " هل ستذكر؟".
    " الذكريات شيء ضبابي للغاية , أريد أن أمسك بشخص حي بعيش ويتنفس".
    " هذا لأنك رجل , أظن أن الرجال يتذكرون فقط الأشياء التي تؤذيهم".
    وفكرت في دون جوان الذي ما كان ليعود ويستعيد لقبه , ويعيش في قلعة أجداده لو لم يتعرض لذلك الحادث المخيف , لقد مر حتى الآن على حد قول مدرسها بأوقات كان يتألم فيها.
    أوقف ريك السيارة , وكان صوت البحر يملأ الجو , أستنشقت هواء البحر بعمق وشعرت بالأمان لجلوسها هنا , ولم تعد تذكر لحظة غرقها في ظلمة البحر , سألها:
    " فيما تفكرين ؟".
    أمسك ريك بيدها , وأبهامه على عظام رسغها الهش وقال:
    " منذ لحظة بدت عليك صورة فتاة حالمة , ترى من الذي يشغلك في أحلام يقظتك وخارجها؟".
    " كل أنواع البشر".
    قالت ذلك ضاحكة , ولكن نبضها كان يسرع , وتساءلت عما أذا كان قد شعر بسرعته.
    " أنت تعكرين نزهتنا يا أيفين , أن كثيرات من الفتيات في طبعهن الغزل , وهن يعرفن لغة العيون , لا بد أن حياتك حتى الآن كانت محمية".
    " كانت حياة محصورة , وهذا شيء مختلف , فالفتاة التي تفقد والديها لا تكون محمية يا ريك , لهذا لا تعاملني كما لو كنت طفلة".
    " أود أن أعاملك كحبيبة".
    وأقترب بوجهه الوسيم منها , مما أضطرها على التراجع فوق مقعد السيارة:
    " ريك".
    " أن المحرمات فرضت علينا , وهي تغري الرجل".
    " أرجوك لا تفسد يومنا".
    " أنا أبذل جهدي لتحسين اليوم , أنظري حولك , تجدين أننا وحدنا بأستثناء جامع الأعشاب البحرية , والمركيز ليس على مرمى البصر , ومن المحتمل أ يكون مع دونا راكيل ولعله يسترضيها بكل تحفظه المهذب".
    حاول أن يداعب شعرها الأحمر الداكن , فأكتفت بأن أبتعدت قليلا وقالت:
    " ألا يمكن أن تكون أكثر تحفظا؟".

    الواقع أن لمسته لم تحرك فيها الأحساس الذي سبق أن أحست به عندما شبك لها المركيز القلادة حول جيدها , أو عندما كان قريبا منها وهي تطل على البحر من نافذة برجه , وأضافت:
    " أعتقدت أننا سنتناول الغداء في فينكا".
    " بعد لحظة".
    وأدرك ريك بأنها لا تريد أن يدنو منها , فبدا الأرتباك في نظراته , وسرعان ما سألها:
    " هل الفتيات الأنكليزيات باردات كالثلج؟".
    " أذا وجدن الشخص الآخر يريد أن ينتزع منهن شيئا دون أرادتهن".
    " هذا واضح , وأظنك وجدتني غير جذاب".
    " كلا يا ريك , كل ما في الأمر هو أنني أود معرفتك معرفة أفضل , أريد أن نكون أصدقاء.".
    ضحك بسخرية وقال:
    " أصدقاء ! رجل وفتاة؟ ما كنت لتكوني معي هنا في السيارة لو لم أعجب بك".
    " أهذا كل ما تهتم به , الغلاف لا المحتوى؟ ". ثم أمسكت بمقبض باب السيارة وفتحت الباب ونزل وقالت : " شكرا للنزهة".
    " لا تكوني بلهاء!".
    " البلهاء لا تمانع في المعانقة في السيارات ".
    ولما رأت المنحدر الهابط الى الشاطىء , خلعت حذاءها وركضت الى حيث توجد الرمال , وسمعت ريك يحاول مطاردتها , وشعرت بعدم الأرتياح أذ وجدت أن جامع الأعشاب البحرية وعربته التي يجرها الحمار قد تركا الشاطىء , وأذا بها وحدها على الشاطىء وشاب غامض يحاول اللحاق بها.
    " أيفين أنت تتصرفين كطفل !".
    ربما كان هذا صحيحا , ولكنها على الفور كرهت ريك ولا تريد أن يلمسها بعد الآن , أسرعت خطاها , وهي تسير على الرمال حافية , ورأت حاجزا خشبيا يكسر الأمواج , ثم لمحت على مسافة قصيرة رصيفا صغيرا به ممر بين الصخور يؤدب الى درجات سلم للرصيف , وما هي إلا لحظات حتى كانت تصعد الدرجات لاهثة , ثم أطمأنت عندما رأت نفرا من الناس يتمشى على الرصيف.
    أرتدت حذاءها وأنضمت الى المشاة , ورأت ريك ينظر اليها من الشاطىء , ثم يعود أدراجه الى سيارته , لم تأسف عندما رأته يذهب , وأنضمت الى صبي صغير يصطاد السمك بصنارة صيد , سألته بأسبانية متلعثمة:
    " هل أصطدت شيئا ؟".













    رد مع اقتباس  

  5. #25  
    المشاركات
    3,260



    جاب يطمئنها:
    " عن قريب أصطاد سمكة ضخمة".
    لم تصدقه ولكنها لم تضحك , ولدهشتهما وسرورهما تمكن بعد نحو نصف ساعة من أصطياد سمكة كبيرة توعا , ودعاها لمشاركته فيها بعد شيّها على نار الخشب المتناثر على الشاطىء.
    لقد خرجت من القلعة وهي مصممة على الأستمتاع بيومها , وبالرغم من تشاحنها مع ريك فقد أستمتعت بكل لحظة من الساعات التالية , كان أسم الصبي الصغير هو فرناندو ومعه في كيسه رغيف أسباني وبعض الخضار وسكين لتنظيف السمك.
    أشتركا معا في جمع قطع الخشب وأشعال النار , وبعد أن تم شواء السمكة كانت لذيذة الطعم , أستراحا قليلا بعد الطعام ثم لعبا الكرة الطائرة.
    كان كل شيء ممتعا وغير متوقع ومضى الوقت بدون أن تشعر أيفين الى أن قال الصبي أنه قد حان الوقت ليعود الى بيته , كما قال لها أنها على مسافة أميال من القلعة , وأشار اليها بالأتجاه الذي يتحتم عليها أن تسلكه , وقال لها أنه مشوار طويل , عضّت أيفين شفتها وقالت:
    " كانت السمكة لذيذة , شكرا لك يا فرناندو لأنك سمحت لي بمشاركتك في الطعام".
    " لقد سرّني ذلك يا آنسة".
    وكان شعرها قد تلبّد حول عنقها وعلى كتفيها , وذيل ثوبها تبلّل بماء البحر لأنها كانت تغوص بقدميها في الماء وراء الكرة , فسألها:
    " هل تعيشين حقا في قلعة السيد المركيز؟".
    أبتسمت وأجابته:
    " حقا أنا جادة فيما أقول".
    ثم لوّحت بيدها مودّعة :
    " وداعا يا فرناندو , آمل أن نلتقي ثانية".
    وعلى طريقة الأسبان المهذّبة أنحنى على يدها وقبّلها , وقال:
    " الى اللقاء يا آنسة".
    شعرت أيفين بالوحدة بعدما غاب الصبي عن الأنظار , عما قريب تغرب الشمس , وحذاؤها رقيق لا يصلح للمشي في طرق وعرة , كما أن وقوفها مكانها تتأسف على حالها لن يقربها من القلعة , وبدأ تسرع قبل أن تغرب الشمس وتسير بمحاذاة طريق البحر كما أرشدها فرناندو , ولاحظت أن الضباب يلف جبال أسبانيا بأستثناء القمم , وأن الشمس حجبها الضباب وهي تقارب على الغروب.
    عما قريب يسود الظلام وبدا أن ضباب البحر راح يزحف على البر , أخذت تسرع . وفجأة صرخت لألواء قدمها أذ أن كعب حذائها الأيمن أنخلع , دعكت موضع الألم في كاحل قدمها ونظرت الى الحذاء الذي أصبح بلا كعب.
    وحدّثت نفسها : ( هذا ليس يومك ) فقد زحفت عتمة الضباب من حولها وهي تسير بعرج وأخذت تمعن النظر لعلها ترى أبراج القلعة في الظلام.
    بدأت حبات العرق تتكون على شعرها وسمعت أصوات صفارات الضباب التي تطلقها البواخر القادمة نحو الميناء تترامى من الساحل الأسباني , أسرعت قليلا رغم عرجها , وأنتشر الضباب الرقيق , أدركت كل شيء ولكنها لم تكن شديدة الخوف , لقد سبق أن ضلّت مرة أو مرتين في براري كومب سانت بليز , ولكن لكونها فتاة قروية لم تشعر بالرعب , هذا هو ما ينبغي تجنّبه أذا تملك المرء وأبعده عن الطريق الصحيح فأنه قد يضل لساعات.













    رد مع اقتباس  

  6. #26  
    المشاركات
    3,260
    تفهمت حالها وأدركت أنه خلال فترة قصيرة سيعلو الضباب أمامها ولا تعود الرؤية واضحة , وأنه سيتحتم عليها أن تعتمد على غريزتها وأعصابها لكي تتمكن من العودة الى البيت , كانت تعلم أنه توجد في الجوار بعض الأكواخ , ولكنها متناثرة في جبال التل , وهي لا تجرؤ على ترك جانب الطريق الساحلي لئلا يتعذر عليها العودة اليه ثانية.
    تذكّرت ما قالته للخادم لويس هذا الصباح , أن الصباح المشرق الساطع في أنكلترا غالبا ما ينتهي بعاصفة , وما كانت تدري أن شروق الشمس الرائع فوق هذه الجزيرة قد يتحول فجأة الى ضباب بحري كثيف , ولكن ها هي في قلب الضباب وتشعر بعجزها كذبابة سقطت في العسل , شعرت بالوحدة والبرد وتمنت لو كان معها سترة ترتديها , وأذا بصوت من ورائها جعلها تستدير لسرعة لتلقي نظرة.
    ولأول مرة منذ ساعة , كانت أضواء سيارة تشق العتمة الضبابية كأنها أضواء منارة , دق قلبها من الفرح , عليها أن توقف السيارة بأي شكل وتطلب المساعدة لا بد من ذلك!
    أسرعت بدون تردد بالوقوف في عرض الطريق وبما أن ثوبها الأبيض كان باديا بفضل أضواء السيارة الكاشفة فأن السائق يجب أن ينحرف تفاديا للأصطدام بها , وبالفعل أستعمل السائق الفرامل ليتجنب صدمها , ولو تأخر توقفه لحظة لصدمها , ومع صرير المعدن وتكسر زجاج السيارة , أصطدمت السيارة بشجرة وتبع ذلك سكون.
    أسرعت أيفين نحو السيارة في توق وذعر معا , وبدأت تعالج فتح بالها , فتحه أحدهم من الداخل , وبرغم الضباب وبصيص الضوء الصادر من مصباح سقف السيارة , عرفت الشخص القابع داخلها بجسمه النحيل , ووجهه العبوس , وشعره الأسود , ونظراته المشتعلة.
    وسطهذا الضباب وتحت الضوء الداخلي الخافت حملق كل منهما بالآخر , سألت أيفين:
    " هل أنت بخير؟".
    أجابها:
    " كلا , والفضل لك أظن أنك ضائعة وسط الضباب؟".
    " نعم يا سيدي".
    كانت شبه باكية من الصدمة والأطمئنان ارؤيته سليما وراء عجلة القيادة , وعندما حاول تشغيل المحرك , كان صوته يدل على عدم دورانه , كانت تعلم أنه يقود أحيانا بمفرده سيارة مصممة خصيصا على نحو يتيح له مد ساقه.
    وعندما تذكرت ساقة والألم الذي سبق له أن عاناه أحست بالدوار فأمسكت بمقبض باب السيارة , وسألته بصوت منخفض:
    " آمل ألا تكون ساقك تؤلمك".
    " كل شيء على ما يرام بأستثناء سيارتي ومزاجي , لماذا لم تقفي الى جانب الطريق وتلوحي لي للتوقف؟ الضوء الكشاف لا بد أن يكشف حتما عن وجودك بهذا الثوب الأبيض".
    " لم أفكر في أي شيء سوى الحصول على مساعدة , آسفة بخصوص سيارتك هل تعرّض المحرك لأي ضرر؟".
    حاول تشغيل المحرك مرة ثانية ولكنه لم يستجب له , ولم يصدر عنه غير صوت خلخلة في سكون الليل الكثيف الضباب , وقال بدون أنفعال :
    " يظهر أن هناك ضررا لحق بالمحرك".
    ألقى نظرة شاملة على أيفين , وأتّجه ناحيتها فوق المقعد الأمامي ومدّ يده وجذبها الى الداخل وقال:
    " أغلقي الباب لئلا يدخل الضباب".
    أغلقت الباب , وفتح هو لوحة صغيرة مجاورة لعجلة القيادة وأخرج من ورائها علبة شوكولا وناولها إياها وقال:
    " أنت ترتعدين يا أيفين".
    فتحت العلبة وتناولت قطعة من العلبة , وسمعته يقول:
    " أنتن النساء أذا سطعت الشمس تخرجن بدون معطف , وتتجاهلن الطقس ولذعات البرد , تناولي قدر أستطاعتك من العلبة كي تشعري بالدفء". ثم أضاف: " في المقعد اخلفي بطانية للسفر ضعيها عليك".
    ركعت على المقعد الأمامي وأستدارت لأحضار البطانية من الخلف , ولمست أصابعها شيئا ناعم الملمس , وسرها عندما وجدت أن بطانية السفر مصنوعةمن الفراء , وقال دون جوان:
    " ثوبك بلا أكمام , هيا غطي جسمك بها".
    أسرعت دقات قلبها عندما أنحنى الى الأمام ولف الفراء حول رقبتها , وأحست بأصابعه الدافئة , وقال لها:
    " لقد رأيت كورتيز في الهيدالغو عصر اليوم , وسألته أين كنتما , فقال لي أنك عدت الى القلعة , ماذا جرى يا أيفين ؟ هل تشاجرتما معا؟".



    أعترفت وقالت:
    " أختلفنا في الرأي".
    " أختلفتما على ماذا؟".
    " شيء غير مهم , أنت تعرف كيف يتطور الجدل".
    " بدا لي الشاب غاضبا , هل حاول أن . يجرح شعورك؟".
    " كلا".
    " الحقيقة يا أيفين , أرجوك".
    أرادت أن تهون من الأمر فضحكت قليلا , سألها:
    " أظن أنك كنت تتجولين طوال اليوم بدون غداء!".
    أحتجت وقالت:
    " لقد تناولت غداء لذيذا , تصادقت مع صبي يدعى فرناندو , كان يصطاد السمك من أحد أرصفة الميناء وشاركته في صيده , شوينا السمكة على الخشب وتناولنا معها ما لديه من خبز".
    " أرجو أن يكون فرناندو أقل حماسة من فارسك الآخر؟".
    ضحكت وقالت:
    " كان أكثر نخوة ولطفا ". ثم أبتسمت : " وقد قبّل يدي عندما أفترقنا".
    " كان على هذا الشاب أن يرافقك ليطمئن على وصولك سالمة مي يكون أكثر لطفا".
    بدا وجه دون جوان قاسيا فأخذت تضحك , وأمسك بكتفيها وهزّها , وسألها:
    " لماذا تضحكين ؟ ما الذي يثير الضحك الى هذا الحد؟".
    " لا شيء غير أن الشاب الذي شاركته الغداء على الشاطىء صبي في الحادية عشرة من عمره يا سيدي".
    أشتدت قبضة بده وقال:
    " أيتها اللعينة الصغيرة , هكذا تغيظينني؟".
    نظرت اليه وأنقطعت ضحكتها عندما أدركت جو الألفة بينهما وهما على أنفراد , أن الضباب حجزها في سيارة رجل كان شابا لا يجاري كما يدا عليه أسمه , وهذا التيار من الوعي أشتد ببطء حتى أصبح قوة أخافتها قليلا , فسحبت نظرتها عنه وأتجهت بنظرها ناحية النافذة ,وقالت:
    " ربما نكون نحن فقط هما الوحيدان اللذان عزلهما الضباب عن العالم , هل تعتقد أن الضباب سينقشع يا سيدي؟".
    " ليس قبل الفجر".
    كانت أجابته كمغناطيس أعادها للنظر اليه :
    " هل تعني أننا سنبقى هنا طوال الليل؟".
    " سننتظر بعض الوقت لعل سيارة أخرى تمر من هنا لتأخذنا معها , وإلا سنسعى لنجد مأوى نقضي فيه ليلتنا , أن زجاج السيارة الأمامي قد تكسر قليلا , والضباب يتسرّب منه".
    كان الضباب يتسرب بشكل هبّات باردة وأحكمت أيفين الفراء حول رقبتها , وفتح ددون جوان علبة سكائر ذهبية رفيعة وقدّمها الى أيفين قائلا:
    " تفضّلي , هذه سيكارة لعلها تهدىء من روعك ومحنة قضاء الليل وحيدة في صحبتي".
    " هذا دورك لتغيظني يا دون جوان".
    وقبلت سيكارة , أنها لا تدمن التدخين , ولكنها كانت تدخن خلال عملها لدى أيدا ساندل بين حين وآخر تهدئة لأعصابها كلما أثارتها مخدومتها للأسراع في تلبية طلبات زينتها .
    أنحنت كي تشعل سيكارتها من المركيز , وتجمعت أمامها في تلك اللحظة غرابة أحداث تلك الأسابيع القليلة الماضية, كل ما حدث منذ الليلة التي سبقت غرق السفينة حتى الآن تراءى كأنه حلم , ولكن تلاقى دخان سيكارته بسيكارتها , وزجاج السيارة الذي تكسّر وحيوية عينيه السوداوين من وراء نفثات الدخان كل هذا حقيقة وليس حلما . وسألها على غير توقع:
    " هل تحبين الأولاد الصغار؟".
    قالت مبتسمة :
    " نعم , كان ممتعا قضاء الوقت مع فرناندو , وهذا ما أخّرني عن العودة الى البيت".
    " هل تعتبرين القلعة بيتك ؟"











    رد مع اقتباس  

  7. #27  
    المشاركات
    3,260




    " أنها كذلك الآن :. وتلاقت نظراتهما فأضافت: " أرجو ألا تمانع؟".
    " كلا , أطلاقا , أعتقد أن القلعة أنتظرت طويلا من أجل مجيء شخص في سن الشباب ليطرد الظلال , وعندما يحين الوقت".
    قاطعته قائلة:
    " لكي أرحل؟".
    لم يجب لعدة ثوان , وكانت عيناه لا تفصحان عن شيء , ثم قال :
    " نعم , سيبدو غريبا لفترة من الومن , والآن علينا أن نفكر بخصوص الليلة , سيزداد البرد هنا تدريجيا , فأصطدام المحرك عطّل على ما يبدو جهاز التدفئة بالسيارة , في أستطاعتي سد ثقوب الزجاج الأمامي بأي شيء ولكننا لن نرتاح تماما هنا".
    " هل تؤلمك ساقك يا سيدي؟".
    " قليلا , أحيانا أتمنى لو كنت قبلت قيام منشار العظام بعمله , ولكنني عنيد ولا أحب الأشياء الأصطناعية".
    " أخبرني السيد فونسكا بالحادث القديم الذي تعرضت له ". قالت له ذلك وهي شبه خائفة من أظهار الشفقة , وأضافت : " لا بد أن ذلك الحادث كان فظيعا".
    " ليس أكثر مما يحدث لجندي في معركة , ولكنني رفضت فقدان ساقي , ولهذا فأن أي أوجاع وآلام أشعر الآن بها علي أن أتحملها فهي نتيجة لأرادتي الذاتية , إن الأسبان لا يتهاونون مع أنفسهم ولا مع الغير يا صغيرتي , أدرسي لوحاتنا وطالعي كتبنا , وتذكري حياة الغزاة الأسبان في أميركا".
    همست قائلة:
    " يوجد شعور من فولاذ ولهيب وفروسية , والمرء يشعر بذلك هنا في الجزيرة , ويراه في وجوه الناس , أنها تشبه الوجوه التي رسمها الفنان دياز , والعيون التي رسمها آل غريكو".
    " أن الفنان آل غريكو فهم أسبانيا وناسها رغم أنه كان يونانيا , لعل الشخص الغريب عن ديارنا قد يفهمنا على نحو أفضل مما نفهم نحن أنفسنا؟".
    تلاقت عيونهما ورأت في وجهه كل المقومات التي جعلت من أسبانيا دولة حميمة وقاسية وأخاذة , أهلها من الصخر الصلد والشمس المحرقة والظلال العميقة , أنها تجمع بين الألفة والعاطفة وتجعل المرء يفهم كنه الحياة وجوهرها.
    إبتسمت وقالت:
    " السيد فونسكا يعلمني كل شيء عن أسبانيا".
    " وهل تحبين ما تتعلمينه؟".
    " أنا مفتونة به يا سيدي".
    " بسكان البلاد , أم تاريخها أم طبيعتها؟".
    " بكل شيء , الناس والتاريخ والطبيعة".
    نظر اليها وهو يطفىء سيكارته وقال:
    " أي خليط من الحكمة والحماقة أنت".
    " أنه بسبب صغر السن يا سيدي".
    " طبعا".











    رد مع اقتباس  

  8. #28  
    المشاركات
    3,260




    مال الى الأمام وراح يتفحص عينيها الواسعتين , ونحولها الذي غاص نصفه في الفراء القاتم اللامع , وقال:
    " أنك فعلا صغيرة في بعض الأمور , ومع ذلك يمكنني أن أدرك لماذا كان كورتيز غاضبا عندما تحدثت اليه , ماذا فعلت له , هل صفعته؟".
    إبتسمت بعصبية وقالت:
    " كلا , قفزت من سيارته وركضت مبتعدة عنه".
    " وهل طاردك؟".
    " نعم , الى أن وصلت الى الرصيف , وكان هناك بعض الناس , ولهذا كنت في أمان".
    " من أهتماماته غير المرغوبة؟".
    وجذبت بأصابعها بطانية الفراء وقالت:
    " نعم , بعض الرجال يظن أن وجوده على أنفراد مع فتاة يعطيه الحق في معاملتها كعاشق".
    " نحن على أنفراد يا أيفين , ألا تخافين من غريزتي".
    " أنت وصي علي".
    " ألا أجعلك تريدين الفرار مني؟".

    نظرت اليه , وضاعت الكلمات منها , وفي لحظة مذهلة بدا لها كأنما وجدت نفسها على أنفراد مع دون جوان الجسور الذي كان يهوى الخيول السريعة , والذي كان يستخرج الفضة من مناجمها في البراري , ويحب صحبة الفاتنات , وكانت بسبب صغر سنها غير واثقة من دون جوان مثلما هي غير واثقة من أي رجل آخر.
    أطمأنت نفسيا عندما وجدته يركّز أهتمامه على موضع القفاز في السيارة , ورأته يخرج من هذا القسم بطارية يد , وأضاءها ثم قال:
    " أقترح أن نترك السيارة ونبحث عن مبيت في أحد الأكواخ القريبة من هذا الطريق , تدثّري جيدا بهذا الفراء".
    خرجا من السيارة الى الطريق الذي يلفه الضباب وحملقت أيفين حولها بعصبية , كانت الأصوات كلها خرساء , والأشجار كالأشباح , وقالت:
    " أليس من الأفضل أن نبقى في السيارة يا سيدي؟".
    أجاب بحزم:
    " كلا , قد يصيبك البرد , كما أن ساقي تؤلمني , تعالي , كوني قريبة مني وأعدك بأننا بعد قليل سنجلس بقرب نار مشتعلة ونشرب قهوة ساخنة".
    كان شعاع بطارية اليد يشق الضباب , وبعد فترة وجدا أنهما فوق طريق جانبي عليه آثار أقدام لا بد أن تفضي الى مساكن من نوع ما , وعملت أيفين بنصيحة الوصي عليها فظلت الى قربه وكان يعرج أكثر من المعتاد , أنها الرطوبة تسري في عظام ساقه - وأرادت أن تضع أصابعها في الجزء المعقووف بذراعه- كما فعلت راكيل بصورة حميمة – وتمنحه بعض الراحة.
    وقف بغتة وقال : " آه ! ". وولى قلق أيفين عندما رأت شعاع البطارية يشير الى بياض جدار وأطار نافذة ثم الى باب خشبي عليه حلقة حديدية تستعمل مطرقة للباب.
    وأضاء بالبطارية وجه أيفين وقال:
    " حسنا يا غريتل , لقد عثرنا على كوخ في الغابة , هل تظنين أن هانزل سيتجرأ ويطرق الباب ( غريتل وهانزل من الشخصيات المعروفة في قصص الأطفال )".
    ضحكت أيفين ضحكة خافتة , أذ أعجبتها دعابة دون جوان التي تختبىء في صدره كعرق من الذهب , وقالت:
    " قدما غريتل باردتان".
    " لاحظت أنك تعرجين يا صغيرتي".
    " لقد فقدت كعب الحذاء الأيمن".
    ولما وصلا الى باب الكوخ , رفع الحلقة الحديدية وطرق الباب مرة ومرتين وثلاثا , وأنتظر ! ثم سمعا النافذة العليا تفتح وترامي اليهما صوت عجوز تسأل :
    " من بالباب؟".
    " سيدتي , نسألك المأوى هذه الليلة , سيارتنا تحطمت وقد أصحنا معزولين في الضباب".
    " آسفة يا سيدي , ليس عندي غرفة ".
    " سأدفع لك مبلغا حسنا يا سيدتي".
    ساد السكون بعدما ترددت العجوز وأغلقت النافذة .
    تحدث دون جوان بالأنكليزية الى أيفين :
    " القرويون يشعرون بالعصبية في ليلة كهذه , أن العجوز ستفتح لنا أذا أجزلت لها العطاء".
    أقترحت أيفين :
    " أخبرها من تكون ".
    وأجابها بأبتسامة في صوته :
    " أفضّل أن نبقى غرباء بالنسبة اليها".
    وبينما كانت أيفين تستوعب ملاحظته , سمعت أنفتاح أقفال الباب من الداخل , وأنفتح الباب ببطء وظهرت أمرأة مغطاة بشال وفي يدها مصباح يعلو دخانه , رفعت مصباحها كي تتأمل الواقفين ببابها , وحملقت جيدا في وجه دون جوان الممدود القامة والمهاب برغم شعره المشعث , ونظرت بأهتمام الى رفيقته الصغيرة المتدثرة بالفراء , ويبدو أنها لم تتعرف عل المركيز لأنها قالت رافضة :
    " لا أعرف أذا كان علي أن أفتح بابي للغرباء , كيف لي أن أعرف أنكما من الشرفاء؟".
    أخرج دون جوان محفظة نقوده من جيبه وأخرج منها عدة أوراق وقال :
    " تفضّلي يا سيدتي , أعتقد أن هذه تشتري لنا سقفا من أجل ليلة واحدة ؟ هيا , فالسيدة الصغيرة ترتعش من البرد".
    دسّت العجوز المال في صدرها وفتحت الباب فتحة تكفي لدخولهما الى الممر الضيق , وأغلقت الباب بأحكام , وقادتهما الى المطبخ حيث توجد نار قليلة مشتعلة , تلقي بظلال حمراء على الجدران الكلسية الدهان.











    رد مع اقتباس  

  9. #29  
    المشاركات
    3,260




    ووضعت المضيفة المصباح على المائدة , وأضافت بعض الخشب الى النار , وعادت مرة أخرى بعدما أزدادت ألسنة اللهب لتتفحص جيدا الزائر والزائرة , ورأت أيفين أن العجوز بعينيها الحادتين ووجهها المغضن المحاط بالشال الأسود أشبه بساحرة , لقد نظرت الى أيفين وقالت شيئا بأسبانية سريعة , وتطلعت أيفين الى دون جوان تسأله العون لأنها لم تستطع فهم اللهجة اقروية.
    " السيدة تسأل أذا كنت ترغبين في تناول بعض الشوربة ".
    " أوه , نعم , رجاء".
    رد على العجوز بالأيجاب , فذهبت الى المدفأة وحرّكت قدرا أسود جهة اللهب , وطوال الوقت كانت تلقي بالملاحظات من فوق كتفها ,وأحست أيفين فجأة بقبضة دون جوان المفاجئة وهو يرفع بيديه الفراء عن كتفيها , وأسرعت العجوز الى المائدة وأخذت تضع آنية فخارية للشوربة وملاعق وبعض الخبز , وسألته أيفين:
    " ماذا تقول؟".
    كان المطبخ من الطراز القديم بمقاعده الخشبية ذات القوائم الثلاث , والبساط الملون الممدود أمام المدفأة , والخزانة المملوءة باآنية المختلفة , والمزهريات ذات الورود الأصطناعية .
    وأمتد ظل دون جوان الى السقف , وكان يبدو في سترته الرمادية غريبا وسط هذا المطبخ القروي , لقد أعتادت أيفين على رؤيته وسط الستائر الذهبية الفخمة والأثاث الكلاسيكي الفاخر , وشذى الورود يختلط بدخان سيكاره.
    وكان يبدو مترددا , كأنه يريد عدم خدش شعورها . بشيء كان غير أعتيادي.
    " تقول المرأة أنه لا يوجد غير فراش واحد وهي مستعدة للنوم هنا بقرب المدفأة ".
    نظرت اليه أيفين وقد غمرها شعور يائس , كان يستند بتعب على عصاه , أدركت أن ساقه تؤلمه وأنه ما من مكان آخر يمكنه أن يرتاح فيه بأستثناء غرفة النوم الوحيدة هذه ! وأبعدت بصرها عنه وحدّثت نفسها قائلة أنه ينبغي ألا تكون متشددة . ولكن ماذا تراه قال للعجوز ؟
    كان المطبخ يفوح برائحة العدس والأعشاب عندما أخذت العجوز تملأ الصحون بالشوربة , جلست أيفين الى المائدة بدون أن تتجرأ على النظر الى دون جوان , وشعرت بضعف ركبتيها , وكانت غريزتها تحدثها بأن الأسبانية العجوز لن تسمح لهما بالنوم معا إلا أذا أعتقدت أنهما متزوجان !
    صعدا درجات حجرية ضيقة الى غرفة النوم , وأضاءت الشمعة التي تحملها أيفين جدران الغرفة وغطاء السرير اللامع عندما دخلا الغرفة ذات السقف المنخفض.
    كان هناك سرير واحد , وخزانة صغيرة ومقعد , وكانت الغرفة تحت سقف الكوخ , وذكرت أيفين بغرفتها الصغيرة الباردة عند آل ساندل , ولكن لم يحدث أبدا أن تقاسمت الغرفة مع رجل أسمر طويل في عينيه لمعة شيطانية .

    ولمحت هذا البريق وهو ينظر من المقعد الخشبي الوحيد الى الفراش , وشعرت كأنما سكون الغرفة يمتلىء بدقات قلبها.
    همس : " يبدو أنك مضطربة ".
    تلاقت عيناها بعينيه , ورأت فيهما سبب أضطرابها , وقالت :
    " أنني دائما أضطرب هكذا عندما أكون متعبة ". وطوّحت بشعرها فوق كتفها , وأضافت:
    " أنني أنني لن أتصرف بسخافة لأن علينا أن نتقاسم هذه الغرفة".
    " بل علينا أيضا أن نتقاسم السرير , يمكن أن أكون قديسا وأجلس طوال الليل في هذا المقعد غير المريح , ولكنني واثق أن قلبك الرقيق لن يدعني أقاسي هذا العناء".
    " بالطبع لا".
    ثم شعرت بالضعف مرة أخرى وودت لو تخر ساقطة على جانب السرير ذي التنجيد الجنوني , والأعمدة الخشبية المحفورة باليد , ونظرت في كل مكان بأستثناء مكان دون جوان ووجهه الذي أنعكس عليه ضوء الشمعة وزاده سحرا , عليها أن تحاول عدم أساءة التصرف لأن الظروف أضطرتهما لتقاسم الغرفة والفراش !
    وبدون تفكير قالت :
    " يمكنني الأكتفاء بالمقعد ! ".
    فقال بصوت ناعم ومنخفض:
    " أيفين , حسبت أنك تشعرين معي بالأمان".
    " أنني فقط ".
    " فقط ماذا , يا صغيرتي ؟".
    " أنني لست طفلة".
    " أذا أنت كبيرة الى حد تحافظين فيه على نفسك , وتظنين أننا الآن وحدنا هكذا , وأنني سأفقد السيطرة على نفسي وأندفع نحوك مبديا أعجابي".
    ولكونها كانت غير واثقة منه الى هذا الحد , فقد مرّت ثانية أو ثانيتان قبل أن تدرك أنه كان يتهكم , فأسرعت قائلة :
    " أنني غير معتادة على مثل هذه المواقف".
    " أنت لست طفلة حتى أضربك , ولكن هناك وسيلة تعامل أخرى للرجل مع افتاة الخائفة , هل يمكنك معرفتها؟".
    نظرت الى فمه وأبتعدت عنه قدر المستطاع , كان ضوء الشمعة على عنقها وذراعيها العاريتين ينعكس أيضا على عينيها المذعورتين وشعرها الأحمر الداكن , وكان مجرد التفكير في أن دون جوان قد يسيء اليها كافيا ليعكر هدوءها , وفجأة أنهمرت دموعها من العاطفة والتعب , ثم قالت وهي ترتعش:
    " أنا أنا لا أود أن أتشاجر معك ".
    قال وهو ينظر الى دموعها وجسمها المتوتر :
    " وماذا تريدين يا أيفين , لعلك لا تعرفين بنفسك , وأنا لا أريد أن أغضبك أكثر من هذه الليلة , ستنامين تحت أغطية الفراش , وسأنام أنا فوقها على الجانب الآخر".
    وكانت أبتسامته محدودة , ولكنها كانت رحيمة , وأحست مرة أخرى بمشاعر لا تكاد تفهمها , في لحظة تريد أن تتشاجر معه وتهرب , وبعدها يجعلها تريد شيئا مختلفا.
    لحظة أبتسم لها أطمأنت له كل الأطمئنان , وزالت عنها كل المخاوف والأوهام .
    أرتعشت . قد يكون ذلك من جراء أفكارها , أو برودة الغرفة , وفي الحال لاحظ ذلك فأقترب منها وهو يعرج , وأمسك بيدها وأحس برودتها , وسألها:
    " هل قدماك باردتان أيضا؟".
    هزت رأسها وقالت:
    " أن البرودة كانت دائما مشكلة بالنسبة الي , وأعتدت أن أصاب بتقرحهما في الشتاء . بيت ساندل الريفي كان كبيرا وباردا".
    " وكانت غرفتك بدون مدفأة ". وأجلسها على حافة الفراش وقال :
    " أخلعي حذاءك , وسأدفىء لك قدميك".











    رد مع اقتباس  

  10. #30  
    المشاركات
    3,260




    لم يكن ثمة سبيل للأحتجاج , وبدون الحذاء , شعرت أنها صغيرة , طفلة , لا تقوى على شيء , ولمّا أخذ قدمها بين يديه وفركها حتى سرى فيها الدفء , شعرت بالخجل والأمتنان , كان أشبه بشيء يفعله الأب الى أبنته , ولكن هذا الرجل لم يكن أبويا في تصرفاته , أحست بالنعاس بعد الدفء , رفعها فوق الفراش ولف الأغطية من حولها , ونظرت هي اليه وقد ثقل جفناها.
    سألها وظله كالقوس على الحائط أذ أنحنى كي يبعد شعرها عن وجهها :
    " هل هذا أفضل ؟".
    " كل شيء لطيف ومريح جدا".
    سحب أصابعه من فوق خدها بعد أن أبعد شعرها عنه , وخطر لها أن تمسك بيده شاكرة , ولكنها تراجعت حتى لا تفسر كل شيء , وبسرعة أبتعد عنها , وأخذت تنظر الى ظله على الحائط وهو يخلع الحذاء والسترة وربطة العنق وأزرار أكمام القميص , ووضعها على المقعد المجاور للفراش , ثم أطفأ الشمعة وتمدّد على الجانب الآخر من الفراش وقد غطّى ساقيه بقطعة الفراء.
    سمعت أيفين تنفسه , ثم صدرت عنه تنهيدة الراحة بعد تمديد ساقه التي تؤلمه.
    يجب ألا يعلم أحد بهذه الليلة , وعلى الأخص راكيل التي قضى معها النهار , أن عيني راكيل تكشفان الأسرار أذا أستقرتا عليه , وهي لن تصدق أيضا أن فتاة قد تقضي اليل مع دون جوان بدون أن تجد نفسها تحلم به , وسمعته بهمس :
    " أغمضي عينيك الواسعتين يا صغيرتي ونامي , الليلة هي سر بيننا , وغدا نبتسم بشأنها ".
    وأخيرا تجرأت أيفين وسألته :
    " ماذا قلت للعجوز ؟".
    " لم أقل لها شيئا عنا".
    " تعني أنك تركتها تفترض أنه يحق لنا المشاركة في الغرفة؟".
    " الأفتراض هو الكلمة الصحيحة ".
    " إنك لخبيث حقا يا دون جوان !".
    " أذا كان هذا هو رأيك , ولكن عليك الأعتراف بأن الفراش أكثر راحة من الرقاد على مقعد طوال الليل".
    " هذا صحيح".
    " لا تثقلي على ضميرك , وأعتبري نفسك بعيدة جدا عني وأنعمي بالنوم".
    أرادت أن تقهقه عندما قال ذلك . أنها تحبه عندما يلجأ الى الدعابة.
    تحبه؟
    ظلت بلا حراك وأصغت الى أنفاسه , وشعرت بنقاة ساقه الى وضع أكثر راحة , وأذا بها تستعيد في ذاكرتها كلمات قديمة : كم أحبك ؟ أحبك بالعاطفة التي تحركها أحزاني الماضية وطفولتي البريئة أحبك مع أنفاسي وبسماتي ودموع حياتي !
    وأغمضت عينيها ونامت .
    أستيقظت قبله في الصباح ووجدت الشمس تملأ الغرفة ذات الجدران البيضاء , حيث تعشعش الطيور وتغرد , وتذكرت في الحال أحداث الليلة الماضية , وتأملت الوجه النائم الى جوارها , تأملت سواد شعره وكبرياء أنفه , وأدركت مدى أطمئنانها له.

    تركت الفراش وأتجهت الى النافذة , وفتحتها على آخرها وأنحنت الى الأمام , وأستنشقت هواء الصباح ووجدت الشمس دافئة بعد الليلة الماضية الباردة , وكانت آخر آثارها الضبابية يمكن رؤيتها وسط أشجار الصنوبر والأعشاب الندية التي تملأ الهواء بشذاها.
    وأذا كان للمرء أن يتعلق بلحظة من أختياره لا يريد الأفلات منها , فها هي لحظتها , وهي الآن تختار أن تظل أسيرة هذا الصباح الجميل وأن تكون الفتاة الوحيدة في حياة دون جوان , كل الكلمات أو الوعود التي سبق أن رددها لغيرها لا يمكن أن تزيل سحر هذه اللحظة.











    رد مع اقتباس  

صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. رواية مجزرة الحولة من الطفل المذبوح رقم خمسين رواية 2013
    بواسطة иooḟ Ăł.кααьỉ في المنتدى خواطر - نثر - عذب الكلام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-Dec-2012, 02:08 AM
  2. تناديني وأجي ملهوف sms
    بواسطة لؤلؤة البحر في المنتدى مسجات و رسائل وسائط SMS & MMS
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 26-Mar-2011, 12:27 AM
  3. أنشودة تناديني
    بواسطة الريحــــانة في المنتدى تحميل و استماع اناشيد و صوتيات الاسلامية
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 10-Mar-2009, 12:07 PM
المفضلات
المفضلات
ضوابط المشاركة
  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •